ملا محمد مهدي النراقي

181

جامع السعادات

عز وجل - : ( ومن يتوكل على الله فهو حسبه ) 36 التوكل على الله درجات ، منها أن تتوكل على الله في أمورك كلها فما فعل بك كنت عنه راضيا ، تعلم أنه لا يألوك خيرا وفضلا ، وتعلم أن الحكم في ذلك له ، فتوكل على الله بتفويض ذلك إليه ، وثق به فيها وفي غيرها . ولعل سائر درجات التوكل أن يتوكل على الله في بعض أموره دون بعض ، وتعدد الدرجات حينئذ بحسب كثرة الأمور المتوكل فيها وقلتها . فصل السعي لا ينافي التوكل إعلم أن الأمور الواردة على العباد إما أن تكون خارجة عن قدرة العباد ووسعهم ، بمعنى أنه لا تكون لها أسباب ظاهرة قطعية أو ظنية لجلبها أو دفعها أو تكون لها أسباب جالبة لها أو دافعة إياها ، إلا أن العبد لا يتمكن منها . فمقتضى التوكل فيها ترك السعي بالتمحلات والتدبيرات الخفية ، وجوالتها على رب الأرباب ، ولو دبر في تغييرها بالتمحلات والتكلفات ، لكان خارجا عن التوكل رأسا ، أو لا تكون خارجة عن قدرتهم ، بمعنى أن لها أسبابا قطعية أو ظنية يمكن للعبد أن يحصلها ويتوصل بها إلى جلبها أو دفعها . فالسعي في مثلها لا ينافي التوكل ، بعد أن يكون وثوقه واعتماده بالله دون الأسباب . فمن ظن أن معنى التوكل ترك الكسب بالبدن ، وترك التدبير بالعقل رأسا ، والسقوط على الأرض كالخرقة الملقاة ، فقد أبعد عن الحق ، لأن ذلك محرم في الشرع الأقدس ، فإن الشارع كلف الإنسان بطلب الرزق بالأسباب التي هداه الله إليها ، من زراعة ، أو تجارة ، أو صناعة ، أو غير ذلك مما أحله الله ، وبإبقاء النسل بالتزويج ، وكلفه بأن يدفع عن نفسه الأشياء المؤذية بالتوسل إلى الأسباب المعينة لدفعها . وكما أن العبادات أمور أمر الله - تعالى - عباده بالسعي فيها ، ليحصل لهم بها التقرب إليه والسعادات في دار الآخرة ، فكذلك طلب الحلال ودفع الضرر والألم عن النفس والأهل والعيال أمور أمرهم الله - تعالى - ليحصل لهم

--> ( 36 ) الطلاق ، الآية : 3